القديس فالنتاين بين الحقيقة والتقليد الشعبي

التاريخ: 
الاربعاء, 2018-02-14

القدّيس فالنتاين

هل يمكن للطوائف الأرثوذكسيّة أن يحتفلوا بعيد العشّاق الفالنتاين؟

لقد دخلت الثقافة الغربيّة الكثيفة حاملةً معها عيداً جديداً في منتصف شهر شباط وهو: عيد القدّيس فالنتاين ( الفالنتاين) والمعروف على الأكثر ” بعيد العشاق أو الحب” في الأوساط الشعبيّة . لقد قبل الشباب هذا العيد بنكهةٍ ولذّةٍ خاصّة . وقد أسرع التُجّار بتزيين دكاكينهم بقلوبٍ أرجوانيّة اللون وبالونات حمراء وألعابٍ وحيواناتٍ محشوةٍ بالقطن وأمّا أصحاب المقاهي والمنتزهات فبدأوا بتنظيم الحفلات بمناسبة عيد الحب أو العشاق.

وكأنّه بقيت الكنيسة وحدها بعيدةً عن هذه النشوة الورديّة الّتي تحلّ في منتصف شهر شباط . لقد نُظِر إلى عيد العشّاق باشتباهٍ في الوسط الكنسي وبمخاوف غامضةٍ لأنّه بما أنَّه كلَّ شيءٍ آتٍ من الكنيسة الغربيّة وكذلك أيضاً هذا العيد يحمل روحاً غريبةً وضارّةً بالنسبة إلى الروح الأرثوذكسيّة.

ويربح هذا العيد على أيّ حال شعبيّةً أكثر فأكثر . ولهذا يتوّجب علينا نحن العلمانيون والكهنة أن نعيد النظر بجديّة أكثر إلى موقفنا حيال هذا الواقع من عصرنا الحالي. وأن نضع في أقرب وقتٍ ممكنٍ وجهة نظرنا المسيحيّةً تجاه هذا العيد.

وبما أنّه يوجد للأزواج عيد عائلاتهم المسيحيّة ( 21 كانون الأوّل ) وكذلك للأطبّاء وصانعو الأحذيّة وهلّم جراً من المهن والألقاب أعيادهم الخاصّة فلم لا يكون للشباب العاشقين عيدهم الخاص؟ إنَّ الكنيسة لا تدين الحب الرومانسي بل تقدّسه ضمن سرَّ الزواج لكي ينمو ويتحوّل إلى شعورٍ عميقٍ ودائمٍ.

وأمّا الأسس الّتي تقول بأن ” نوّرط ” هذا أو ذاك القدّيس بأنّه شفيع إحدى الفئات الخاصّة ( كما هو الحال مع فئة العشّاق ) فهل يمكن أن تكون أكثر جدّيّةً من تلك الّتي تقول بأن يُقبل القدّيس فالنتاين كشفيع للعشّاق؟

ويبقى لدينا أن نعرف هل بالحقيقة يوجد قدّيسٌ مثل هذا القدّيس أم هو بطلٌ خياليٌّ أسطوريٌ وإن وُجِد: هل يمكن لذكراه أن تُكرّم من قبل المسيحي الأرثوذكسي أم هو قدّيسٌ بالنسبة للكاثوليك فقط ؟

سنبدأ بالتوضيح أنّه ليس جميع قدّيسو الكنيسة قد وجدوا لهم مكاناً في تقويمنا الكنسي فإنَّ الكثيرين استناروا وكتبوا أسماءهم في السموات لكنّهم بقوا مجهولون بالنسبة للكنيسة الأرضيّة واكتسب آخرون شعبيّةً لأنفسهم في كنيسةٍ وعدّة كنائس محليّةٍ فقط ولا يُكرّمون في كنائس أخرى. وعلاوةً على ذلك يجب علينا أن نذكر بأنَّه جميع القدّيسون الّذي أشعوا في الكنيسة الغربيّة والّذين قُنّنوا قبل الانشقاق الّذي حصل بين الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة في سنة 1054 قد أُعترف بهم أنّهم قدّيسين وفي الكنيسة الأرثوذكسيّة أيضاً. كما أنّه يكفي بالنسبة لنا أن نذكر أسماء القدّيسين كليمنضوس بابا روميّة وإيريناوس بابا لاون وكبريانوس القرطاجي وإيبوليطُس بابا روميّة وأمبروسيوس المديولاني ولاون بابا روميّة والبار يوحنّا كاسيانوس الرومي والقدّيس غريغوريوس الكبير الذيالوغوس حتّى نتأكد من ذلك. وهكذا يبقى لنا أن نحدّد من هو القدّيس فالنتاين المُكرّم في الرابع عشر من شهر شباط وإذا كان بالحقيقة قدّيساً فمتى تمّت إضافته إلى قائمة القدّيسين : أما قبلَ أم ما بعد الانشقاق الكنسي ؟

حسب الموسوعة الكاثوليكيّة ( إصدار عام 1908 ): يوجد لدينا ثلاثة قدّيسين على الأقل يحملون اسم فالنتاين ويُسجّلون في الرابع عشر من شهر شباط . إنَّ جميع هؤلاء القدّيسين هم شهداء : فأوّلهم كان كاهناً رومانياً احتمل آلاماً استشهاديّة في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي وثانيهم هو أسقف إنترامنا ( مدينة تيرني الحاليّة ) وهو شهيدٌ أيضاً من النصف الثاني للقرن الثالث الميلادي وأمّا الثالث فهو شهيدٌ من أفريقيا الّذي يكاد لا يُعرَف شيءٌ آخر عنه.

وحسب النسخة الفرنسيّة ” للموسوعة الكاثوليكيّة للجميع ” فإنَّ القدّيس فالنتاين هو كاهنٌ مات بطريقةٍ استشهاديّة بأمرٍ من الإمبراطور كلاوديوس الثاني الغوتي في الرابع عشر من شهر شباط سنة 270 في روميّة ( وحسب مصادر أخرى سنة 269 ). ولقد قُنّن قدّيساً مسيحيّاً في سنة 496 من قبل غلاسيوس بابا روميّة . يحفظ جزءٌ من رُفاته مدينته ومسقط رأسه تيرني وجزءٌ آخر في كنيسة ” القدّيس أنطونيوس” في مدريد . لقد أُهديت رُفات للقدّيس فالنتاين في القرن التاسع عشر من قبل البابا غريغوريوس السادس عشر إلى كنيسةٍ في دبلين في إيرلندا والّتي تزار بشكلٍ كثيفٍ في الرابع عشر من شهر شباط.

إنَّ تلك الأخبار الّتي وصلت إلينا بمعلوماتٍ عن القدّيس فالنتاين يمكن أن يكون على الأرجح مزيجٌ من الروايات حول حلقاتٍ مختلفة من حياة شخصيتين مختلفتين على الأقل.والمُهمُّ بالنسبة لنا أن نعرف أنَّ موت القدّيس فالنتاين الاستشهادي وتمجُّدِه يعودان إلى زمنٍ يسبق زمن انشقاق الكنيسة بقرونٍ عدةٍ . وبالتالي حتّى ولو لم يكن القدّيس فالنتاين بهكذا شعبيّةٍ في العالم الأرثوذكسي وحتّى لو لم يكن ظاهراً ومُسجّلاً في تقويمنا الأرثوذكسي فإنَّنا لا نملك أيّة حجّة كيلا نكرّم هذا القدّيس الشهيد في الكهنة الّذي عاش في عهد الكنيسة القديمة المسيحيّة الواحدة.

وعلاوةً على ذلك فمنذ نحو عشرة سنواتٍ وحتّى الآن ما يزال التقويم الكنسي للكنيسة الرّوسيّة الأرثوذكسيّة يغتني بأسماء الكثيرين من القدّيسين الّذين ظهروا في الغرب خلال القرون الأولى للمسيحيّة. وهناك نجد كذلك اسم القدّيس فالنتاين الإنترامني ( الّذي يكرّم في 30/06 حسب التقويم الغربي 12/08 حسب التقويم الشرقي ) وعندما أهدى أسقف تيرني المونسينيور فينشانزو باليا جزءاً صغيراً من رُفات القدّيس فالنتاين الإنترامني ( أو الإيطالي ) للكنيسة الرّوسيّة الأرثوذكسيّة في الخامس عشر من شهر كانون الثاني سنة 2003خلال إقامة الوفد البطريركي الرّوسي عنده فإنَّ البطريرك ألكسي الثاني عبّر عن ارتياحه بأنَّه صار بإمكان كلَّ مؤمنٍ في روسيا الصلاة أمام هذه المقدسات للكنيسة المسيحيّة القديمة الغير منفصلة بعدما شكره لهذه الهدية الّتي لا تقدّر بثمنٍ.

لماذا يُعتبر الشهيد في الكهنة فالنتاين شفيعاً للعشّاق وأمّا يوم تمجُّده فعيداً لهم؟

نجد سبباً لهذا في التقاليد الّتي زيّنت اسمه على مرِّ العصور. حسب إحدى الروايات كان القدّيس فالنتاين طبيباً كانت أدويته لذيذةً وحلوة المذاق. وحسب رواياتٍ أخرى إنّه كان كاهناً كان يُكلّل العاشقين الشباب بالسرّ وبذلك جلب على نفسه غضب الإمبراطور كلاوديوس الثاني الّذي كان بحاجةٍ إلى جنودٍ مُكرّسين له من أجل حُملاته الحربيّة. ويُحكى أيضاً أنَّه كان للقدّيس فالنتاين معاملةً حارّةً خاصّةً تجاه العاشقين الشباب حيث أنّه كان يساعدهم في كتابة رسائلهم الغراميّة كما أنّه كان يصلح بين المتخاصمين ويساعد العشّاق التعساء في أن يجدوا السبيل إلى قلب مُحبيهم. وترتبط باسم القدّيس فالنتاين كذلك روايةٌ عن فتاةٍ عمياء ابنة السجان والّتي أبصرت بطريقةٍ عجيبةٍ بفضل القدّيس فالنتاين. لقد ترك لها القدّيس بذهابه إلى الموت رسالةً قلبيّةً بتوقيع ” المُخلِص لكِ فالنتاين.”

ومن المُحتمل أن يكون تقليد الاحتفال بيوم القدّيس فالنتاين كعيد للعشّاق ناجمٌ عن تصادف يوم تمجّد القدّيس مع الاحتفالات الوثنيّة القديمة ذات الصلة مع بداية فترة الحب عند الطيور ومع الاحتفالات في روما الوثنيّة المُسمّاة باللوبركاليا والمُلغيّة من قبل البابا غلاسيوس ذاته.

كذلك كان في الرابع عشر من شهر شباط عيد الإله بان الوثني ويونونا إلهة الزواج والحب والنساء الروميّة. وكانوا يسمّونه أيضاً ” عيد عُرس الطيور ” ومع تعزيز وتثبيت المسيحيّة حلّت الكثير من الأعياد المسيحيّة محلَّ الأعياد والاحتفالات الوثنيّة المماثلة لهذا العيد وقد حُفِظَ جزءٌ من التقاليد الوثنيّة في الأذهان الشعبيّة لكنّه حصل على معنى وطابعٍ مسيحيين.

هل يمكن أن يكون التقليد والروايات عن القدّيس فالنتاين صحيحةً أم هي ثمرة جهود الناس أن يُبرّروا الدور الّذي يعطونه له كشفيعٍ للعشّق فهذا ما لا يمكننا معرفته بالتأكيد أبداً. لكن على أيّة حال ما يمكننا معرفته بالتأكيد هو أنَّ القدّيس فالنتاين بصفته شهيداً للإيمان المسيحي قد مات فعلاً باسم المحبّة: محبّة اللّه ومحبّة القريب الّذي ساعده طيلة حياته المرضيّة للّه سواء بصفته كاهناً أو طبيباً أو كمسيحي بسيطٍ قلبه مليءٌ بالمحبة. وإذا كان الناس يؤمنون بأنَّ القدّيس فالنتاين يشفع في العشّاق ويدعونه في صلواتهم فإنَّ هذا القدّيس سيتشفّع لهم بلا شكٍّ أمام اللّه لكي يقوّي اللّه ويجعل لهم محبّتهم عقلانيّةً تدوم إلى الأبد.

الكاتبة: أليكساندرا كاراميخاليفا
تُرجم ونُقل من موقع أبواب الأرثوذكسيّة البلغاري
فيكتور دره 10 / 2 / 2011