التبرع بالأعضاء

التاريخ: 
السبت, 2017-09-23

لأنه ليس لدينا من أجوبة قاطعة على ما يطرحه هذا الموضوع من علامات استفهام على ضمير المؤمن بالمسيح ، كما قلت في موضوع حرق الجثة. هناك أجوبة عديدة من مراجع لاهوتية أورثوذكسية بقصد التعبير عن ضمير الكنيسة ، لكن لم يتكون حتى الآن جواب أحادي للسؤال. هناك مستويين يمكن أن يطرح السؤال عليهما ، الأول : من حيّ إلى حيّ ، والمستوى الثاني : من ميّت إلى حيّ .
المستوى الأول : من حيّ إلى حيّ .
بالرغم من حمد وشكر المؤمن على التقدم الذي أحرز ،الطب وعلى امكانيته تخفيف آلامه من جراء هذا التقدم ، فإنه يدرك أن هذه الدنيا فانية وليست المقام الأخير له . وان حياته مهما طالت هنا هي شقاء وحياته الباقية – الآتية – هي في المسيح . لكن كل هذا لا يوقف سعيه ، بإذن الله وبإرادته ، لإطالة زمن أقامته على الأرض . سواء بمحاولة شفاء عضو أو أكثر من أعضائه المريضه أو باستبدال العضو المريض بآخر ، ولكن أقل عطبا .
الحديث ههنا تجاوز نداء التبرع بالدم ،بهدف انقاذ مريض ينزف ، لأن التبرع بالدم لا يفقد المرء عضوا من أعضائه ولكنه في نفس الوقت ينقذ انسانا آخر. هذا بدون شك عمل محبة . هناك في الكنيسة من يعترض على مبدأ نقل الأعضاء مستندين على قدسية الجسد وارتباط الأعضاء بحياته الروحية . ومنهم من يردد قول الرسول بولس " بأن الجسد هو هيكل الروح القدس بفعل الميرون والعماد وتناول الجسد والدم الطاهرين " ، وان الجسد هو عضو في جسد المسيح وقد اشتراه السيد بدمه . وبالتالي لا يجوز أن يهبه المؤمن أو لغير المؤمن. وهناك من يجيب على ذلك : ماذا يحدث للجسد الذي يحترق أو تأكله حيتان البحر أو حيوانات البر والطيور ؟ أفلا يقوم في يوم الدينونة العامة ؟
موضوع وهب عضو سليم لإنسان محتاج ، وان بدا بدافع المحبة الإنسانية من انسان إلى آخر ( قرنية عين ، رئة ، نخاع عظمي ... الخ) ، لكنه إذا ما تطور إلى تجارة لها عياداتها ومكاتبها وأطبائها ، تستورد وتصدر مثل أي سلعة أخرى بقصد الربح ، يتغير الموقف ويتغير المبدأ هنا .
هنا يمكنني أن أستعرض بعض مواقف أورثوذكسية من مسألة وهب الأعضاء . كلها تشجع عليه من باب المحبة ، وبنفس الوقت تطرح السؤال الأخلاقي .
يقول المطران أيروثيوس فلاخوسي في مقالته ، في اطالة حياة الانسان البيولوجية ، "ان نقل الأعضاء يجب أن يكون من منظار محبة " . كذلك الأب ستانلي هاراكس " في مقالته عن موقف الكنيسة من القضايا الجدلية "، يقول " لا نستطيع أن نمنع نقل الأعضاء لكن يجب أن يقيّم تأثير الزرع على الواهبين والموهوبين بحرص كبيير " ، يجب التشجيع على وهب الأعضاء من باب المحبة المسيحية .
المستوى الثاني : من ميت إلى حيّ .
تكمن المشكلة ههنا في تحديد ما هو الموت ومتى نجزم به : فإذا كانت الأنتروبولوجية الأورثوذكسية تحدد ان الموت هو خروج النفس من الجسد فإن انتروبولوجية الطب المعاصر تعتبر المريض مائتا بعد توقف قلبه عن النبض . ثم باتت منذ القرن السابع من القرن العشرين تعتبر المريض ميتا بعد توقف عمل الدماغ بشكل نهائي لا رجوع عنه ، مفقودا بفقدان كلي للشعور . هنا يظهر السؤال التالي : هل الموت الدماغي يعني خروج النفس من الجسد ؟ كيف يمكن التحقق من ذلك وإذا ما كانت النفس قد توقفت عن التأثير على التواصل مع الآخرين عبر هذا الجسد ؟ الإجابة صعبة ، لأنه إذا كان اتحاد النفس بالجسد سرا ، فإن خروج النفس من الجسد سرّ أيضا ، كما لا يمكن حصر النفس في جهاز معين في الانسان ، لا في القلب ولا في الدماغ ، انها في كل الجسد كما يقول الذهبي الفم . متى يمكن الجزم بخروج النفس من الجسد ؟ البعض يقول " في اليوم الثالث "، ويستندون إلى إقامة جناز للراقدين في اليوم الثالث لهذا السبب. فيرد آخرون أن جناز اليوم الثالث هو لتكريم قيامة الرب يسوع المسيح . التقليد اليهودي كما المسيحي ايضا لا يترك جسد متوفي بدون دفن حتى اليوم الثالث ، بل يوصي بالدفن فورا، فكيف تكون النفس ملازمة للجسد وتقام مراسم التجنيز قبل انتهاء الأيام الثلاثة ؟ .
إذا كانت قضية نقل الأعضاء من ميت إلى حيّ غير ممكنة إلا في الساعات القليلة الأولى من الموت السريري ، وما كان بالامكان الجزم بخروج النفس من الجسد، يصبح من غير الجائز المباشرة بتقطيع الجسد ، لكن آخرون يقولون أن العلامات لكافية لإعلان الوفاة وللمباشرة بالتحضير للجناز والقيام بدفن الميت ، حتى ولو لم توهب أي من الأعضاء ، فلماذا إذا تعلق الأمر بنقل الأعضاء يجب التأخير ؟ المجمع الأنطاكي الأورثوذكسي في دورته الاستثنائية من 8 ـ 10 تشرين الأول 1996 ، أصدر البيان التالي :" درس المجمع المقدس قضية زرع الأعضاء ورأى أن الحيّ يوصي بمنح أعضائه شرط أن لا يؤذي نفسه أو أن يتاجر باعضائه على اعتبار أن الأمرهو من باب العطاء والتضحية . أما في حالات الوفاة المفاجئة فيعود القرار للوصي على الميت ".
الخلاصة :
تتراوح المواقف الأورثوذكسية لكنها كلها تحدد المقاييس التي يمكن اعتمادها، أعمال المحبة مطلوبة لكن الاستخفاف بالحياة أو المتاجرة بأعضاء الجسد مرفوضان . وكأنه علينا دائما أن نتعاطى مع كل حالة بذاتها حسب معطياتها ، على أن لا نخرج عن الطاعة لوصايا الرب الواهب الحياة .