عادات غير صحيحة وغريبة

التاريخ: 
الاربعاء, 2017-09-20

سأتناول، في هذه العجالة، ثلاث عادات تتعلّق بمشاركة المؤمنين في الخدمة الإلهيّة، وسأحاول، ولو بسرعة، أن أظهر عيبها وانحرافها، على رجاء أن يساهم المؤمنون في التخلّص منها والعودة إلى ما هو أصيل في تعليمهم، لأنّ الأصل هو نجاتنا جميعاً، وهو شهادتنا المرجوّة والدائمة:

1- من العادات المعيبة التي باتت عامّة أنّ بعض المؤمنين يدخلون الكنيسة بعد بدء الخدمة الإلهيّة ويخرجون قبل انتهائها. لم يفهم شعبنا عموماً أنّ الخدمة الإلهيّة هي خدمة جماعيّة. وهي، في جوهرها، تفترض أن يشارك فيها كاملةً جميع المعمّدين. وليس هذا فقط، بل أن يأتوا مساء السبت ليصلّوا غروب الأحد وأن يأتوا، في الصباح الباكر، ليصلّوا الصلاة السَحريّة. الخدمة الإلهيّة مسبوقة بهاتين الصلاتين تكشف للمؤمنين معنى اللقاء الذي يجمعهم اليوم. المعنى العامّ الذي يخصّ كلّ واحد هو قيامة الربّ. هذه التي هي عصب حياتنا في المسيح، والتي تظهرها، بعمقها، الصلاتان المذكورتان. القدّاس الإلهيّ يوم الأحد لا يمكننا فصله عن الصلوات التي تسبقه وندّعي أنّنا نبتغي الفصح أو ننشد بهاءه. ابتغاء الفصح يستوجب المشاركة في هاتين الخدمتين وأن نهيّئ قلوبنا بالتوبة، وصلوات أخرى، وبصوم كلّيّ، فهذه مجتمعةً ترفعنا إلى المشاركة في القدّاس الذي يعطينا الروح القدس نفسه أن نعرف المسيح فيه، ونذوقه حيّاً ومنتصراً على موتنا وخطايانا. قد يعتبر بعضٌ أن دعوة الناس إلى مصالحة الصلوات الكنسيّة، ومعظمهم لا يشارك في الخدمة الإلهيّة، أمر ليس منطقيّاً. ولكن المنطق الكامل يفترض قول الحقيقة غير منقوصة. ما يجب أن يعرفه المؤمنون جميعاً هو أنّ اجتزاء الخدمة عيب ترمينا فيه فرديّتنا. إذا فهمنا أنّنا شعب الله، وأنّ كلاًّ منّا وهبه الروح القدس ما يجعله مساهماً في بناء الكنيسة، وأنّنا جميعاً نحتاج بعضنا إلى مواهب بعض، لأنّ المواهب جماعيّة، لا نتأخّر عن الخدمة ولا نخرج قبل انتهائها. نأتي باكراً، وننتظر بعضنا بعضاً، أي ننتظر انتهاء الخدمة، لأنّ في هذا إفادة لنا خاصّة وإفادة للمؤمنين جميعاً. إنّ هذا العيب، إذاً، خطأ ضدّ هذا الوعي. من الواضح أنّ الذين يفهمون الحقيقة مطلوب منهم، إذا كانوا يتجاوزونها، أن يصحّحوا الخطأ. والصحّة الكاملة ألاّ نفضّل شيئاً على المشاركة في الخدمة الإلهيّة كاملة وأيضاً في صلوات التهيئة التي تعدّ قلوبنا وترفعها قبل أن ندخل خدمة الأبد.

2- ثمّة تعبير غريب يردّده بعض، وهو "زيارة الكنيسة". ولا يقصد به الزيارة خارج الخدمة الإلهيّة، أو الصلوات للتبرّك بأيقونات الكنائس، أو الصلاة إلى الربّ الحاضر بجسده ودمه المحفوظين في خزانة الذخائر المقدّسة، أو زيارة الكنائس الأثريّة، ولكن ما يفعله بعض المؤمنين أثناء الخدمة الإلهيّة، إذ تراهم يدخلون، ويرسمون إشارة الصليب، ويتمتمون صلواتهم، ويخرجون من دون أن يشاركوا في الخدمة. هذا التصرّف غريب عن تراثنا. وذلك أنّ الخدمة الإلهيّة عينها، كما أوحينا أعلاه، تفترض أن يشارك المؤمنون فيها مشاركة كاملة، وتمنعهم من الغياب عنها أو اجتزائها. ما من شكّ في أنّ هذه الممارسة أساسها ما يتحرّك في ضمائر الناس ويحثّهم على المجيء إلى الكنيسة. ولكن الضمير الحيّ يعثّره تشويه الحقيقة. وليس من ضمير لا يوحي بالحقيقة. يبطل ضميراً. تصمته المشوّهات. وما من شكّ أيضاً في أنّ هذه الممارسة وجه من وجوه هذه الفرديّة المخيفة التي تضربنا بشدّة ونحبّ أن تزيد. لا أريد أن أسيء إلى ضمير أحد، ولكن أن تصحّ موحيات الضمائر باتّباع الحقّ الذي يريدنا أن نكون معاً لنعبد الله بفرح، ونرتقي إلى وجهه المنوّر.

3- يدّعي بعض أنّهم يمكنهم أن يتناولوا روحيّاً، والمقصود من دون أن يقتربوا من الكأس المقدّسة؟! ويسمّون هذه الممارسة "المناولة الروحيّة". هذا أخذنا نسمعه، في هذه الأيّام الأخيرة، وأخذ يعلّمه بعض هنا وثمّة. وهذا الكلام غريب عن ضمير الكنيسة وممارستها الأصيلة. فالخدمة الإلهيّة عينها ليس فيها أيّ إشارة، لا من قريب ولا من بعيد، تسمح بهذا النوع من الفهم، ولكنّها، على عكس ذلك، تمنعها بدعوة الناس جميعاً إلى التقدّم من الكأس المقدّسة للمناولة الحقيقيّة، في كلّ خدمة يشتركون فيها. لا أعلم تحديداً ما هو مصدر هذا الادّعاء. عندي ليس هذا بأمر هامّ. المهمّ أن لا نعتبر ان كلّ ما نسمعه أو يمارس شرعيّ. المؤمن الكبير هو الذي يفحص كلّ قول أو ممارسة على ضوء الحقيقة المسلّمة للقدّيسين. وما لا يخفى على فاهم أنّ تعزية المؤمنين هي اقترابهم من كأس الربّ. فالناس تقريباً لا يصلّون الصلوات اليوميّة، ويكتفي بعضهم بالمشاركة في القدّاس. وإذا اخترعنا لهم ما يبرّرهم أو يبعدهم عن مصدر قوّتهم وتجديدهم نرميهم في مرارة قاتمة. ولذلك لا يجوز أن يبتعد أحد عن "كأس خلاصه". ولا ترداد عبارات رنّانة بلا مضمون. فهذا وَهْمٌ يغرّب الناس عن الحقّ، وَهْمٌ يصعب الخروج منه.

كلّ ابتعاد عن الحقّ يرمينا في عيوب جمّة. شفاؤنا من العيوب يتطلّب ثورة على واقعنا لنرجع إلى الله الذي ينتظرنا ليعزّز حبّنا، ويوضحه، ويسوّيه دائماً.