الجهاد والاستشهاد في المسيحية

التاريخ: 
الثلاثاء, 2017-09-12

ان كلمة الجهاد لها مفهوم ديني خاص في الفكر المسيحي يختلف اختلافا جوهريا وعميقا عن باقي الديانات الاخرى. لذا يتوارد اة يتسأل الكثيرون هل هناك جهاد في المسيحية ؟ نعم هناك هناك جهاد في المسيحية ولكنه ليس كالجهاد المعروف عنه ، انما كلمة جهاد في الفكر المسيحي تعني جهاد في المحبة في العطاء ، جهاد في تحقيق العدل والمساواة ، جهاد للوصول الى اكبر واسمى المراكز .

فكلمة الجهاد هي مشتقة من كلمة جهد وهي مقدار الطاقة المبذولة في تحقيق امر معين ،فكل مجموعة او مجتمع او دين يرى الجهاد من خلال نظرته الخاصة لهذه الكلمة .

لا يأخذن احد عن المسيحية حكما او مثلا على الجهاد القائم على القتل والعنف اعتماد على الحروب الصليبية، ما كان الصليب يوما شعارا للحروب الاهلية. بالحقيقة لم تكن تعاليم الانجيل والكنيسة يدا فيها لان الكنيسة لم تعلم ولم تسعى الى تأسيس مملكة او دولة على الارض لان مملكة الرب الحقيقية ليست من هذا العالم انما هي مملكة روحية وهي من عالم اخر , عالم السماوات .

هناك الكثير من امثلة وتعاليم في الكتاب المقدس عن الجهاد في المسيحية حيث ربط الجهاد بالايمان وحياة القداسة والطهارة والحب لكل الناس حتى الاعداء .

ان الجهاد في المسيحية معناه الجهاد ضد الخطية والجهاد من اجل المحبة ، الجهاد للوصول الى السلام الكامل الداخلي مع الله والناس .انه الجهاد الذي يصل بالانسان الى حياة الالتصاق بالله والحب والنقاء والصفاء

اذا الجهاد في المفهوم المسيحي يتميز بأن له معنى خاصاً، وهو خطوة من خطوات السمو الإنساني ودرجة من درجات الارتقاء، ليس فقط في الحياة الروحية بل التحضر والرقي، ولمعرفة وتقييم هذا الأمر يكون مصدر القياس هو النصوص الواردة بالوحى عن الموضوع. وقد وردت الكلمة بكل مصادرها تقريبا 22 مرة بالكتاب المقدس بعهديه، وسوف نكتفي بأن نركز على أربعة نقاط نرى أنها تعتبر الركائز الأساسيه للجهاد في السلوك المسيحي:

1- العدو من هو؟.. ومع من تكون الحروب؟.. في الرسالة إلى أهل أفسس نجد هذه الكلمات الواضحة: "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6 : 12) ففي الفكر المسيحي الشيطان هو العدو، هو عدو الله والمؤمنين وعدو الإنسان أيضاً، والشيطان هو مصدر فكر العداوة والكراهية والحروب والقتل عندما يتسلط علي الإنسان. راجع رسالة يعقوب (4: 1 – 3) فتجد إجابة واضحة عن سبب الحروب والخصومات والقتل، وفي بشارة يوحنا نقرأ "أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالاً للناس من البدء" (يوحنا44:8 )فقتل الإنسان هو عمل إبليس، لذا لا نسمع تعبير أعداء المسيحية أبداً عبر الكتاب المقدس أو فى التاريخ الكنسى ولا عداوة بين المسيحي وأي إنسان حتى الذي يضطهده وأدوات الحرب التى يعرفها المسيحى ليست هي الأسلحة الزمنية التي نعرفها في معارك اليوم بل الفضائل الأخلاقية هي أسلحة النور التي يتسلح بها جند المسيح.

2- الجهاد وضد الخطية.. ولأن المسيحية رسالة حقيقية من عند الله والله قدوس وطبيعته كما هو معروف روح فالجانب الروحي هو الهدف الأساسي في رسالة الوحى المقدس، لذا نقرأ هذه الكلمات: "ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا" ثم يوضح نوع هذا الجهاد: "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطيئة" (عب 12 : 1 ، 4) وعبارة (حتى الدم) هنا تعني وإن أدى الأمر للموت بسبب رفض الخطية) مثل ما حدث ليوسف الصديق. فالجهاد المقصود هو البذل في سبيل الطهارة والنمو في العلاقة مع الله القدوس ومحاربة نوازع النفس الأمارة بالسوء والجانحة لعمل الشر، إنه الجهاد للانتصار على ضعفات الجسد والشهوة البغيضة بكل أنواعها والانتصار على العداوة مع الله والنفس والآخر، وامتلاك قوة المحبة.

3- الجهاد للنمو في الحياة الروحية.. (الصلاة – قراءة الكتاب المقدس – الخدمة) والمسيحية ديانة القلب وليست ممارسات الطقوس والفرائض وتكرار الكلام كالببغاوات أو تكرار الكلام باطلاً في مظهرية واستعراض. ففي سفر التكوين نجد قصة يعقوب الشهيرة وجهاده وصلاته (تك 32: 28) وأيضاً يقدم لنا السيد المسيح له المجد نموذجاً للجهاد في الصلاة (لو 22: 44)، ولعدم الإطالة جهاد الخدمة، فيقدم الرسول بولس تقريره الختامى عن خدمته قائلاً: "جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (2 تيموثاوس 4: 7) وهو يوصي تلميذه تيموثاوس أيضاً بأن يسلك مسلكه الجهادي بنفس المفهوم: "جاهد جهاد الإيمان الحسن" (1 تيموثاوس 6: 12)، ولمعرفة وصف الجهاد في الجسد .راجع (الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس 11: 23 – 33).

4- جهاد الكنيسة.. وعلى نفس السياق يكون جهاد الكنيسة الواجب عليها، فهى مطالبة بأن تتم عملها الروحى كما حدده الله تحت أي ظروف ويتلخص في الآتي: (1- التبشير 2- التلمذه 3- الشركة 4- التعبد.) وهي مطالبة بعدم التوقف عن أداء رسالتها متخطية كل المعوقات والعقبات سواء سياسية أو أيدولوجية حتى تسمع النداء "نادوها بأن جهادها قد كمل" (إشعياء 40: 2) فيأتي المسيح وتُرفع الكنيسة من العالم الشرير وينتهي اضطهاد شعب الله. الإعلان المسيانى عن الجهاد.. يتجلى المشهد في الحقبة الختامية لحياة السيد المسيح على الأرض، عندما جاء الرومان بإيعاز وتخطيط من اليهود للقبض عليه لصلبه، فنرى بطرس الرسول يستل سيفاً ويقطع أذن أحد الجنود الذين ينفذون مهمة القبض فيتجسد سلطان اللاهوت ويعيد السيد المسيح الأذن المبتورة مكانها وخاطب بطرس قائلاً: "رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون!.. أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟" (متى 26: 52، 53 ) مملكتي ليست من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود" (يوحنا 18: 36) ومن هذا نرى أنه لا يوجد أي نصوص دينية بالعهد الجديد تنادي بأي نوع من الجهاد المسلح أو تكوين الجيوش الجهادية كما في أديان أخرى.

وإن كان قارئ الكتاب المقدس يجد بعض الكلمات أو التعبيرات الجهادية مثل (جند الرب أو رب الجنود أو الحروب) فكلها لا تخرج عن المفهوم الذي تمت صياغته، إلا أن هناك تعبيراً يستعمله بعض المسيحيين وهو الحروب الروحية.. وهذا الموضوع قديم جديد بمعنى أن الموضوع عقائدياً متفق عليه ولكن يختلف أسلوب الممارسة من فريق لآخر كل بحسب فهمه للنصوص الكتابية، ولكن الأمر كله لا يخرج عن المفهوم الروحي والممارسة العبادية، لكن من المؤكد أن الغالبية من غير المسيحيين في مجتمعنا إذا وصلت أذهانهم وأسماعهم بعض الترانيم أو العظات التي تحتوي على عبارات الأعداء والحرب والانتصار والدم..الخ سوف تفهم الأمر بطريقة خاطئة لعدم فهمهم ايدلوجية الفكر المسيحي، إلا أن الدارس النقدي يكتشف خطأ هذا الاعتقاد، والأمر لا يتعدى فهم و ممارسة روحية خالصة وهو أن مملكة الظلمة التي هي مملكة إبليس هي العدو الذي تجب محاربته وذلك من خلال قوة دم المسيح المنتصر على الصليب بالقيامة وبقوة الروح القدس، وطبيعي أن الإنسان العادي الذي تسيطر عليه الثقافة المادية وتأسره موجة العنف الديني سوف يصعب عليه فهم أو استيعاب هذا المعتقد الروحي لمفهوم الحرب الروحية لأن مفهوم الجهاد ينحصر لديهم في الجهاد المسلح بكل أنواعه وأسلحته ويصبح من المنطقي عدم فهم هذا المنظور المسيحي حيث أن المادية هي منطق إيمانه وحدود قدراته.

اما الاستشهاد في الكنيسة هي قصة المسيحية الاولى وانتشارها في كل الازمنة والامكنة ، حيث ارتبطت الاضطهادات بالمسيحية وهي تسير معها جنبا الى جنب حتى الاستشهاد . وأول اضطهاد تعرضت له المسيحية كان من اليهودية إذ ولدت المسيحية في وسط المجتمع اليهودي ، ورفض اليهود السيد المسيح وصلبوه ، واضطهدوا أتباعه بالقتل والتعذيب أو بالوشاية وإثارة الجماهير أو بالمقاومة الفكرية
بعدها دخلت المسيحية الناشئة في صراع طويل مع الوثنية متمثلة في الإمبراطورية الرومانية بما لها من سلطة الدولة وقوة السلاح وقد وصل هذا الصراع إلي حد الإبادة أي الاستشهاد ،وكان الصراع غير متكافئا إذ لم يكن للإيمان الجديد ما يسنده من قوة زمنية أو سلاح اللهم إلا ترس الإيمان ودرع البر وخوذة الخلاص وسيف الروح ( أفسس 6 ) ، وأستمرالصراع حتى أوائل القرن الرابع حين قبلت الإمبراطورية الرومانية الإيمان بالمسيح وسقطت الوثنية.
لقد بدأ اضطهاد المسيحية في روما علي يد نيرون في القرن الأول المسيحي وانتهي على يد قسطنطين في القرن الرابع وكان القصد منه إبادة المسيحية ولكن علي العكس كان سببا في تنقيتها وإظهار فضائلها وبطولات شهدائها الأمر الذي أدي انتشارها ودخول الوثنيين في الإيمان المسيحي ، وكماعبر عن ذلك العلامة ترتليانوس " دماء الشهداء بذار الكنيسة ".

كلمة "شهيد" تعني الشاهد بالمعنى الذي يعرفه القضاء. في المسيحية صارت تنطبق على الشاهد الذي يبذل دمه وحياته تأكيدا لإيمانه وتمسكا به. وفي هذا أفصح الشهادات التي يستطيع الانسان ان يعطيها كونها تخلياّ عن الذات حتى الموت في سبيل يسوع المسيح. من هنا الأهمية القصوى والاهتمام اللذان ارتدتهما كلمة "شهيد" في التاريخ المسيحي.

في العهد الجديد تستعمل كلمة شاهد للدلالة على الشاهد بالمعنى القانوني (متى 18: 16)، او بالمعنى العام (رومية 1 :9). وفي احيان كثيرة نرى يسوع يتوّجه الى تلاميذه مطلقا عليهم عبارة "شهود" اذ قد شهدوا دعوته وقيامته وسيعلنون ذلك الى كل الشعوب، "انتم شهود لذلك" (لوقا 24: 48). وقد سبق المعلم فأخبر رسله عن مصاعب واضطهادات سوف يواجهونها نتيجة لشهادتهم هذه، "فانظروا الى انفسكم لأنهم يسلمونكم الى مجالس وتُجلدون في مجامع وتوقفون امام وُلاة وملوك من اجلي شهادة لهم" (مرقس 13 :9). الرسالة التي حملها الرسل اذاً هي شهادة عن يسوع لأنفسهم ولكل الامم، والرسول هو شاهد (اعمال 10:39 ،41؛ 26 :22). بولس الرسول حين خاطب اليهود في اورشليم، عبّر عن أساه لماضيه اذ قال: "حين سفك دم استفانس شهيدك كنت واقفا وراضيا بقتله، وحافظا ثياب الذين قتلوه" (اعمال 22: 20). هنا نرى للمرة الاولى كيف ان عبارة "شهيد" بدأت تتخذ معنى اوسع من دلالتها الأصلية وصارت تشير الى موت الشاهد. لكن هذا المعنى لم ينتشر بشكل واسع في الفكر المسيحي الا في فترة لاحقة.

لن نبالغ أو ندعي زوراً إذا قلنا إنَّ مصطلح " الشهيد " غير موجود في المسيحية بل هو مصطلح أدخل في كتابات المسيحيين وفي شروحهم للكتاب المقدس والعهد الجديد خصوصاً تأثراً بالفكر الإسلامي.فالمسيحيون يصفون اسطفانوس بأنه أول "شهداء" المسيحية ، غير أن هذه التسمية غير موجودة في نص العهد الجديد وإنما هي موجودة في الشروحات التي تدخل لتوضيح النص. ولم نعثر في العهد الجديد على نص يستخدم كلمة "شهيد" سوى النص المذكور في أعمال الرسل (20:22) : [( واني كنت حاضراً حين سفك دم شهيدك إسطفانس ، وكنت موافقاً على قتله ، محافظاً على ثياب قاتليه )] ، غير أنه ورد في هامش ترجمة أورشليم الفرنسية للكتاب المقدس ما نصه : [(الترجمة اللفظية " شاهد " . تدل هذه الكلمة (راجع 13 :31) . منذ اليوم على " الشهيد " (راجع 7 :59). )] !وبمراجعة ما ورد في (31:13) نقرأ النص : (فتراءى أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم ، وهم الآن شهود له عند الشعب). واما ما ورد في (59:7) فهو : (ورجموا أسطفانس وهو يدعو فيقول : "رب يسوع تقبل روحي" ).

إذن النص يصف إسطفانوس بصفة الشاهد وفقاً للنص القائل بوجود شهود ليسوع المسيح يبثون أمره بين الناس ، وإسطفانوس واحد منهم ، ولكن يبدو أن علماء المسيحيين أقحموا موضوع مقتله على يد اليهود حين أشاروا إلى النص في (7 :59) تأثراً بالفكرة الإسلامية لموضوع الشهيد ثم غيّروا اللفظة إليها أيضاً ، وإلا لماذا لم يستعملوا اللفظة الأصلية (شاهد) بدلاً من لفظة (شهيد).

نعم يوجد في المسيحية فكرة التضحية من أجل العقيدة ، كما في النص المنسوب إلى المسيح أنه قال كما في إنجيل مرقس (8 : 34و35) : (ودعا الجمع من تلاميذه وقال لهم من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني ، فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها) ، فمفهوم التضحية من أجل العقيدة موجود في المسيحية ولكن لم يتم إطلاق أي صفة على الذين يضحون في سبيل عقيدتهم سوى أنهم قد نالوا الخلاص. فلا يوجد في المسيحية وصف محدد لمن يضحي بنفسه من أجل العقيدة بخلاف الإسلام الذي أطلق عليه صفة (شهيد).

لذلك عبارة "الشهادة" مطابقة لعبارة "الاعتراف" في بادئ الأمر. ثم اتخذت معنى جديدا متصلا بنتيجة الشهادة والاعتراف التي هي الموت حتى صار يُقال "كابد الشهادة". وقد استعملها بهذا المعنى اقليمس اسقف روما (اوائل القرن الثاني) في رسالته الى الكورنثيين، حين تكلّم عن استشهاد بطرس وبولس. ثم ترسخت الكلمة بمعناها الجديد في القرن الثاني حين اشتدت الاضطهادات على المسيحيين. وكثر عدد الذين يعترفون بإيمانهم ويُقتَلون بسبب ذلك ."أباركك ايها السيد لأنك أهلتني ان أكون في عداد شهدائك"، هذا الكلام قاله القديس بوليكاربوس وهو موثق على المحرقة.

وقد اتخذ الشهداء مكانة كبيرة في ضمير المسيحيين الأوائل، اذ كان الموت شهادة على الإيمان بيسوع دافعا للمسيحيين لكي يكرموا الشهيد ويقدموا له الاحترام. تتكلم رؤيا يوحنا، التي كُتبت بعد اضطهاد نيرون (54-68)، ودوميسيانوس (68- 79) عن أرواح الصديقين الذين ُقتلوا، وهي قائمة تحت المذبح السماوي، ترفع الصلوات للجالس على العرش، وتستعد للمشاركة في عرس الحمل (رؤيا 6: 9-11). الشهداء هم موضوع الكلام هنا، وما تصويرهم على انهم تحت المذبح السماوي الا دلالة على كونهم لدى الله بطريقة مميزة. ويتكلم اقليمس الاسكندري عن الشهداء ويقول ان الشهيد يقدّم شهادة لنفسه ولمضطهدِه وللسيد، وهو يؤكد حقيقة الكرازة المسيحية. ويذهب اكثر من ذلك في اكرام الشهيد اذ يقول ان الله يعرف شهيده من قبل ولادته. وصارت تُضاف على كلمة شهيد ألقاب كثيرة تؤكد على الاحترام المقدم لها، ومن هذه الألقاب "المغبوط" و"المبارَك" و"القوي". يقول اوريجنس (القرن الثالث): "ليس من شرف اكبر للكنيسة من ان تقدّم شهيدا للسماء. وليس هنالك لقب لدى البشر يساوي لقب الشهداء. وقد أقام المسيحيون، منذ العهود الاولى، تقاربا بين معمودية الماء ومعمودية الدم (الموت شهادةً) ذلك ان معمودية الدم تعطي من ينالها قوةً ازاء كل ضعف.

دوافع الاستشهاد في المسيحية

لا يوجد في كل تاريخ البشرية شهداء مثل شهداء المسيحية ، في حماسهم وشجاعتهم وإيمانهم ووداعتهم وصبرهم واحتمالهم و فرحهم بالاستشهاد ، فقد كانوا يقبلون الموت في فرح وهدوء ووداعة تذهل مضطهديهم .، ولقد قبل المؤمنون بالمسيح مبادئ روحية أساسية غيرت حياتهم الشخصية ومفاهيمهم ونظرتهم للحياة كلها وجعلتهم يقبلون الاستشهاد لذلك تحتل القيامة مكان الصدارة عند المقبلين على الاستشهاد, فالرجاء بالقيامة لا يفارقهم ولا يتزعزع عندهم, لذلك يقبلون الاستشهاد بعزيمة قوية, وبخاصة انهم كانوا يعتبرون أنّ قيامتهم محققة بمجرد انتقالهم من هذه الحياة الأرضية. يقول مكسيميليانوس (+295) أحد هؤلاء: " أنا لن أموت أبدا, وإذا تركت هذا العالم فروحي تحيا مع المسيح سيّدي". أمّا يوليوس (+302) فيقول:"اخترتُ أن أموت في الزمن لكي أحيا في الأبدية مع القديسين". ويؤكد كلاوديوس (+303) لجلاّديه:"مكافأتكم (بسبب تعذيبنا وقتلنا) تدوم وقتاً يسيراً, أما اعترافنا بالمسيح سيدا فيساوي خلاصاً أبديا". ويقول إيريناوس (+304, وهو غير أسقف ليون):"أنظرُ إلى حياتي الأبدية لذلك لا أقدم الذبائح للأوثان"….كلّهم استشهدوا بسبب إيمانهم ورجائهم بالمستقبلات, وقوّة ثقتهم بقيامة المسيح التي بها يقومون هم أيضاً.القديس يوحنا‏ ‏ذهبي‏ ‏الفم‏ ‏عندما‏ ‏أرادوا‏ ‏أن‏ ‏ينفوه‏ ‏إلي‏ ‏خارج‏ ‏حدود‏ ‏ابرشيته‏ ‏قال‏ ‏لهم‏: ‏إين‏ ‏تذهبوا‏ ‏بي؟ إلي‏ ‏أي‏ ‏مكان‏ ‏أذهب؟ قالوا‏: ‏إلي‏ ‏بلد‏ ‏بعيد‏ ‏وبعيد‏ ‏جد، ‏إلي‏ ‏مكان‏ ‏قاحل، ‏قال‏: ‏لا يهمني‏، ‏أنا‏ ‏أسأل‏ ‏سؤالا:‏ ‏هل‏ ‏هناك‏ ‏الله؟ قالوا‏ ‏له‏: ‏الله‏ ‏موجود‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏مكان، ‏قال‏ ‏إذن‏ ‏كل‏ ‏مكان‏ ‏بالنسبة‏ ‏لي‏ ‏سواء، ‏أنا‏ ‏سعيد‏ ‏بربي‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏وسعيد‏ ‏به‏ ‏في‏ ‏أي‏ ‏مكان‏ ‏آخر، ‏هذا‏ ‏لا يزعجني‏ ‏هذا‏ ‏لا يقلقني‏ ‏ما دام‏ ‏الله‏ ‏معي، ‏ومادمت‏ ‏أنا‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏فأنا‏ ‏سعيد‏ ‏ولا يعنيني‏ ‏المكان‏ ‏الذي‏ ‏أكون‏ ‏فيه‏.‏ فبعد القديس اغناطيوس الأنطاكي الذي قدّم نفسه ذبيحة, وناشد أهل رومية أن "تتركوني لأقدّم دمي ضحية على مذبح الرب….", نجد بوليكاربوس الشيخ (حوالي 158) أسقف إزمير يضرع إلى الله أن يقبله كذبيحة مقبولة لديه. وهذا أفبلوس (+304) يردّ في وجه جلاّده الذي يطلب إليه أن يقدم ذبائح للأوثان لكي يُعفى ويبقى حياُ:"نعم, سوف أقدّم ذبيحة, ولكني سأقرّب نفسي أمام المسيح الإله. وليس عندي أي شيء آخر أقدّمه". وفي أعمال استشهاد فيلبس أسقف هيراكليس وشمّاسه هرمس (+304) يرد أنهما "قُدّما كذبيحة مقدّسة للّه القدير". الشهادة, إذا, هي نوع من أنواع الليتورجيا (أي العبادات والطقوس الكنسيّة) وبامتياز.

هذه‏ هى ‏نظرة‏ ‏القديسين‏ ‏إلي‏ ‏الاستشهاد ،هذه‏ ‏روح‏ ‏الإنسان‏ ‏المسيحي‏ ‏الذي‏ ‏يعيش‏ ‏في‏ ‏الدنيا‏ ‏غير‏ ‏متبرم‏ ‏ولا‏ ‏متضايق‏ ‏ولا‏ ‏يائس‏ ‏ولا يتمنى‏ ‏الموت‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الخلاص‏ ‏من‏ ‏الحياة‏ ‏الضيقة، ‏ولكنه‏ ‏يعيش‏ ‏في‏ ‏حياته‏ ‏يحس‏ ‏أن‏ ‏الحياة‏ ‏تستحق‏ ‏أن‏ ‏يعيش‏ ‏الإنسان‏ ‏من‏ ‏أجله، ‏لأنه‏ ‏يحيا‏ ‏في‏ ‏الدنيا‏ ‏ليستعد‏ ‏إلي‏ ‏حياة‏ ‏أخرى‏ ‏له‏ ‏هدف‏ ‏في‏ ‏حياته، ‏وله‏ ‏أمل، ‏والأمل‏ ‏واضح‏ ‏والهدف‏ ‏واضح‏ ‏وهو‏ ‏لا يتخلف‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الهدف‏ ‏الواضح‏.‏ إذن‏ ‏الشهداء‏ ‏حينما‏ ‏استشهدوا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏استشهادهم‏ ‏عن‏ ‏ضيق‏ ‏في‏ ‏الحياة‏ ‏ولا‏ ‏عن‏ ‏تبرم، ‏ولا‏ ‏عن‏ ‏رغبة‏ ‏حقيقية‏ ‏في‏ ‏الموت‏ ‏في‏ ‏ذاته‏ ‏ليتخلصوا‏ ‏من‏ ‏الحياة، ‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏للإنسان‏ ‏المنتحر، ‏حاش، ‏إن‏ ‏نفسه‏ ‏ثمينة‏ ‏ومن‏ ‏أجل‏ ‏أن‏ ‏نفسه‏ ‏ثمينة‏ ‏يسع‏ ‏لخلاص‏ ‏نفسه‏ ‏ولكنه‏ ‏إذا‏ ‏رأي‏ ‏أن‏ ‏خلاصه‏ ‏يقتضي‏ ‏أن‏ ‏يقدم‏ ‏حياته‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏المسيح‏ ‏لا‏ ‏يتأخر‏ ‏نفسي‏ ‏ليست‏ ‏ثمينة‏ ‏عندي‏ ‏حتي‏ ‏أتمم‏ ‏بفرح‏ ‏سعيي‏ ‏والخدمة‏ ‏التي‏ ‏قبلتها‏ ‏من‏ ‏الرب‏ ‏يسوع نفسه‏ ‏ثمينة‏ ‏في‏ ‏ذاته، ‏ومن‏ ‏أجلها‏ ‏يسعي‏ ‏لكي‏ ‏يخلص‏ ‏به، ‏ولكن‏ ‏ليست‏ ‏ثمينة‏ ‏بإزاء‏ ‏رسالته‏ ‏وبإزاء‏ ‏الهدف‏ ‏الذي‏ ‏يحيا‏ ‏المسيحي‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الحياة‏ ‏متطلعا‏ ‏إلي‏ ‏الأبدية‏ ‏متطلعا‏ ‏إلي‏ ‏الآخرةمتطلعا‏ ‏إلي‏ ‏جعالة‏ ‏الله‏ ‏العلي، ‏أنا‏ ‏موقن‏ ‏أنه‏ ‏قادر‏ ‏أن‏ ‏يحفظ‏ ‏وديعتي‏ ‏إلي‏ ‏ذلك‏ ‏اليوم‏.

لذلك ظهر تكريم الشهداء في الكنيسة منذ القديم. نجد اشارة قديمة الى هذا في استشهاد القديس بوليكاربوس اسقف ازمير (القرن الثاني) فكانت ذكراه موضوع احتفال بهيج. وقد ظهر التعييد السنوي للشهيد، في يوم موته. انه يوم ولادته في السماء.

إكرام الشهداء قد بدأ مع بداية عصر الاضطهاد, ففي رواية استشهاد بوليكاربوس يذكر الكاتب احتفال المسيحيين بالذكرى الأولى لاستشهاده. الجدير بالملاحظة أنهم احتفلوا بذكرى ميلاده في الحياة الأبدية، لا بذكرى ولادته من أمه, كما كان يفعل الوثنيون. طبعا هذا لا يلغي في شيء ولادة المسيحيّ الثانية في سر المعمودية. ويروي الشاهد أن قاتلي بوليكاربوس رفضوا تسليم المسيحيين جسده ليدفنوه وأحرقوه, ولكن محبيه استطاعوا جمع عظامه التي كانت بالنسبة إليهم "أثمن من الذهب والفضة". وفي قصة استشهاد فيلبس أسقف هيراكليس يسرد الكاتب كيف جمع المؤمنون عظامه من النهر, فحدثت بواسطتها الأعاجيب. إكرام بقايا الشهداء قد فتح الطريق أمام تقليد ما زال حيّا إلى اليوم وهو ضرورة إقامة الكنائس على قبورهم أو وضع بقاياهم فيها, حتى أن مجمع قرطاجة (397) قد أمر بتدمير الكنائس غير المشادة على قبور الشهداء الحقيقيين. ويقول القانون السابع من المجمع المسكوني السابع(787: "لتوضع بقايا الشهداء القديسين في الكنائس التي دشّنت بدونها. ومن يكرّس كنيسة بدون شيء من بقايا الشهداء فليسقط لمخالفته تقاليد الكنيسة".

إن الاستشهاد المسيحى بنتائجه هو برهان عملي على صحة قول السيد المسيح له المجد : " إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فهى تبقى وحدها . ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير" .( يوحنا12: ( ويقول القديس يوستينوس الشهيد : "ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تقطع رؤوسنا ونُصلب ، ونلقى للوحوش المفترسة ، ونقيد بالسلاسل ، ونلقى فى النار ، وكل أنواع التعذيب ، أننا لا نترك إيماننا . بل بقدر ما نعاقب بهذه الضيقات ، بقدر ما ينضم مسيحيون أكثر إلى الايمان باسم يسوع المسيح . إن الكرام يقطع أغصان الكرمة التى تحمل ثماراً ، حتى تنمو أغصان أخرى . وهذا يصيرها أكثر حيوية وأكثر اثماراً . وهذا ما يحدث معنا . فالكرمة التى غرست بواسطة الله مخلصنا يسوع المسيح هو شعبه" .

لقد آمن كثيرون بسبب آلام الشهداء وموتهم ، بما صاحب استشهادهم من معجزات ، وما أظهروه من ثبات واحتمال وصبر وليس من المبالغة فى شئ إن قلنا أن الايمان المسيحى انتشر فى العالم كله باستشهاد القديسين ، أكثر مما انتشر بوعظ المبشرين وتعليمهم … فدماء الشهداء روت بذار الإيمان فنما الايمان وأتى بثمار كثيرة لحساب ملكوت الله .
لقد كسب المؤمنون المسيحيون الأوائل نفوساً كثيرة . ونالوا هذا الكسب بموتهم أكثر مما نالوه بحياتهم أو معجزاتهم …والشهداء قدموا برهاناً عملياً على صدق تعاليم المسيحية وفضائلها …وكما تختبر المعادن بالنار ، كذلك تختبر الفضائل بالآلام والضيقات … وكانت الاضطهادات العنيفة التى قاستها المسيحية ، برهاناً على أصالة فضائلها . لقد أثبت الاستشهاد أصالة الفضائل التى علمت بها المسيحية ، متجسدة فى أشخاص المعترفين والشهداء ، الذى لم تقوى آلامهم المبرحة على تحويلهم عن الفضيلة وسموها فى شتى صورها …

ويقول يوسابيوس المؤرخ الكنسي الذى عاش وسط الاضطهادات بخصوص عفة وطهارة العذارى والنساء : " لم يكن النساء أقل من الرجال بسالة فى الدفاع عن تعاليم الكلمة الإلهية ، إذ اشتركن فى النضال مع الرجال . ونلن معهم نصيباً متساوياً من الأكاليل من أجل الفضيلة . وعندما كانوا يجروهن لأغراض دنسة ، كن يفضلن تسليم حياتهن للموت عن تسليم أجسادهن للنجاسة ".

والسؤال الذى يطرح أمامنا ، ما الذى دفع المسيحيين لاحتمال أهوال العذابات التى تصيب الانسان بالهلع لمجرد سماعها ؟! . الاجابة على هذا السؤال الذى يبدو غريباً على أذهاننا وعلى مفهومنا ما يلي :
[1] قدمت المسيحية مفهوماً جديداً للألم …
لم يعد الألم أمراً يتعلق بالجسد ، لكن غدا له مفهوم روحى يرتبط بالحب – محبة المسيح !! ونحن نرى الحب فى شخص المسيح يسعى نحو الألم ليستخلص من براثنه من اقتنصهم ، ويحرر من سلطانه من أذلهم … لقد تغيرت مذاقة الألم ، وأصبح صليب الألم شعار المجد والغلبة والنصرة ، بل الواسطة إليها … فى المسيحية ننظر إلى الصليب على أنه علامة الحب الذى غلب الموت وقهر الهاوية ، واستهان بالخزى والعار والألم !! . لقد أصبح احتمال الألم من أجل المسيح هبة روحية … " لأنه قد وُهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله ." (فيليبي1: 29). وهكذا تبدلت صورة الألم ومذاقته فارتفع إلى مستوى الهبة الروحية وأصبح شركة مع الرب فى آلامه : " ان كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضاً معه " (رومية 8: 17) … " لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته . " (فيليبي3: 10) .وإذا كانت المسيحية هى الحب ، فالموت فى سبيلها هو قمة الحب والبذل بحسب تعبير اكليمنضس الاسكندرى : " الاستشهاد ليس مجرد سفك دم ، ولا هو مجرد اعتراف شفهى بالسيد المسيح ، لكنه ممارسة كمال الحب" .
[2] علمت المسيحية أن الانسان مخلوق سماوى :السماء بالنسبة للإنسان هى الهدف الأسمى ، والغرض المقدس ،هى كل شئ بالنسبة له ، هى الكنز الحقيقى الذى يطلبه ويقتنيه . هى وطنه الأصلي ومستقرة النهائي . هى الوجود الدائم مع الله .
فبداية الإنسان يوم خُلق كانت فى السماء ، وسوف تكون فيها نهايته حينما يعود إليها … ومن هنا أحس الإنسان بغربته فى العالم . هذا العالم الفاني الذى سوف يمضى وشهوته معه . وجعل كل أشواقه أن يعود إلى وطنه الأول السماء .. وأكدت أسفار العهد الجديد هذه الحقيقة … فيذكر معلمنا بولس الرسول الالهي فى رسالته إلى العبرانيين قائلاً : " فى الايمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض . " (عب11: 23) . ويكتب إلى أهل كورنثوس … " فإذا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب … فنثق ونسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب . " (2كو5: 6،8) .
[3] وعلمت المسيحية أن الانسان المؤمن يجب أن تكون أشواقه نحو السماء ويكتب بولس الرسول الالهي إلى أهل كولوسى مشجعاً إياهم بقوله : " من أجل الرجاء الموضوع لكم فى السموات " (كو1: 5) وفى هذا المعنى يكتب بولس الرسول الالهي قائلاً : " فإن سيرتنا فى السموات التى منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح " (فى3: 20) . ويقول لأهل كولوسى : " اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله . اهتموا بما فوق لا بما على الأرض " (1كو3: 1،2) وانطلاقاً من هذا المفهوم أن الانسان مخلوق سمائى ، وأن أباه فى السماء ، فإنه فى صلواته يناجى الله فى السماء ، ويقدم صدقاته عالماً أنه يكنز فى السماء (مت19،20) . ويتشفع بالملائكة ، والقديسين الذين انطلقوا إلى السماء .. بل وأكثر من هذا أن نفسه سوف تزف إلى العرس السمائى .. وبسبب كل هذه الأحاسيس والمفاهيم المقدسة كانت معنويات المعترفين والشهداء عالية جداً فى السجون .
كان غرض الأباطرة والملوك والحكام والوثنيين من سجن المعترفين المسيحيين ، هو تحطيم شجاعتهم واضعاف روحهم المعنوية . لكن على العكس ، كان حبس المعترفين وتعذيبهم سبباً فى اعلاء شجاعتهم .
إنه أمر خارج حدود المنطق ، وفائق لطبيعة البشر المألوفة ، ان الأحزان تنشئ أفراحاً ، والضيقات تولد تعزيات … لكنها المسيحية بمفاعيل النعمة الإلهية – بعمل الروح القدس فى المؤمنين هى التى تفعل ذلك … فبعض شهداء قرطاجنة – بعد أن وصفوا أهوال السجن – قالوا : " إننا لم نخشى ظلام المكان . فلقد أضاء السجن الموحش ضياء روحانى . ولقد كان الإيمان والمحبة كالنهار يفيضان علينا ضوءاً أبيضاً " .

لا بد من القول إن الإستشهاد لم يكن في نظر المسيحيين ضرورة لا فمر منها، بل كان التعبير الأقصى عن الإيمان والتمسك بالإنجيل الذي يفوق كل شيء، ولو اقتضى ذلك الذهاب بالإقتداء بالمسيح إلى أبعد حدود الآلام والموت. وقد أدرك المسيحيون أن اعتناق الشهادة هو بمثابة المعمودية الثانية التي تتمّم فيهم ما كرسته المعمودية الأولى بالماء والروح. فالمعمودية هي اشتراك في موت المسيح وقيامتنه "فإذا كنا متنا مع المسيح فإننا نؤمن بأنا سنحيا معه" (رومية8:6). وكان خير المسيحيين واخلصهم من قبل بالمعمودية الثانية فقدم حياته قولاً وفعلاً كي يشهد للكنيسة وربها.
ولا غرابة في ان نطلق على القديس إغناطيوس الأنطاكي الذي استشهد في اضطهاد تراجان بين 110-117 لقب" لاهوتي الإستشهاد" ففي رسالته إلى اهل روميةيطلب نعمة السماح له بالتشبه بالآم ربه إذ ان كمال الإنجيل يقتضي التشبه بموت الرب وتأدية شهادة المحبة إلى أقصاها.
لم يتراجع المسيحيون يوماً عن تعظيم الشهادة حتى يومنا الحاضر يسعنا بسهولة كلية أن نعدد الأمثلة عن الإضطهادات التي طالت المسيحيين في الكثير من بقاع الأرض، حيث عادت الكنيسة إلى العيش في السراديب كما كانت عليه الحال في القرون الأولى. فالكنيسة الارثوذكسية في انطاكية و روسيا وصربيا وغيرهم من الكنائس اعلنت قداسة العديد من القديسين الشهدا ءالجدد. وطالما الكنيسة حية في التاريخ. لطالما سيرتبط الإيمان بشهادة الدم. وفي هذا السياق يعتبر القديس ايريناوس أسقف مدينة ليون أن الإستشهاد هو "الكمال كما انه تمام الشهادة" وفي مكان آخر يقول: "إن كنيسة لا تتألم ليست بكنيسة الرسل" اما ترتليلنوس فيقول:"إن دم الشهداء هو بذار الكنيسة" .