أحد جميع القديسين

التاريخ: 
الاربعاء, 2017-06-14

نعيّد في الأحد الذي يلي العنصرة للقديّسين الذين كانوا ثمرة الروح المنشئ القداسة.

الروح القدس الذي ينزل على الكنيسة جمعاء فتغتسل به، وينزل على كلّ واحٍد منّا، أفرادًا، فنتجدّد، إن إرتضينا هذه الولادة وجاهدنا بحق.

المسيحية مشروع قداسة، والكنيسة مكان قداسة، وغايتها الوحيدة أن نتّحد بالرّبّ القدّوس. ذلك أنّ السماء أُعلن فتحها مع تجسّد الله، ومن بعد فدائه وصعوده إليها لم تُغلق أبوابها، والروح يتدفّق منها وينشئ فينا قداسة. فإن لم نؤمن بأنّ روح القداسة ممكن اليوم وفاعل فكأنّنا نقول بأنّ المسيح لم يصعد إلى السماء ليرسل الروح وأنّه بقي دفين الأرض.

هذا العيد، إذًا، هو إعلان إرادتنا أنّنا نريد القداسة ولا شيء أقلّ منها.

هناك قدّيسون قدّموا شهادة حمراء وهناك قدّيسون قدّموا شهادة بيضاء.

الشهادة التي قدّموها بدمائهم تحيينا، ومن لم تهدر دماؤهم في سبيل الربّ يسوع المسيح أعطوه كلّ قلوبهم بجهادات لا توصف، وكان مكانه في القلب، القلب كلّه أي الذهن (NOUS).

نعيّد إذًا للقدّيسين الذين نحتفل بأعيادهم على مدار السنة وللقدّيسين الذين قرّبهم الله إليه ونحن لا نعرفهم.

نعيّد لهم ونحن نعي أنّهم لم يكونوا كلّهم طاهرين طوال عمرهم فمنهم من تاب بعد أن كان ظالمًا أو لصًّا وما إلى ذلك. نحن نعظّم جهودهم ولسنا متوهّمين أنّهم بلغوا القداسة الكاملة التي هي صفة الله وحده. هؤلاء نحبّهم ونذكرهم لأنّهم كانوا جدّيين في طاعة المسيح وساروا إلى البِرّ والطهارة سيرًا طويلاً. فالمسيح المبارك لم يحتكر المجد بل وزّعه، ولهذا نلتقط مجده على وجوههم إذا نظرنا إليهم. هكذا نتطلّع إليهم علّنا نتشبّه بهم وندرك البِرَّ الذي أدركوه. هؤلاء كلهم نسمّيهم الكنيسة الظافرة التي تحيا ببركاتها الكنيسة المجاهدة التي على الأرض، والتي لا تزال في حالة الجهاد ولم تكتمل طهارتها بعد، ولكنّها في إقامتها لهذه الذكرى تكون قد تعهّدت أنّها تشاء لنفسها ما شاءه العريس لها أن تكون "كنيسةً مجيدةً لا دنس فيها ولا غَضَن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدّسةً وبلا عيب"(أفسس٢٧:٥).

بذكرنا جميع القدّيسين فإنّنا نشتهي أن نكون هنا معًا، كما صاروا هم معًا. فهذا العيد ليس مجرّد انخطافٍ نرى فيه الأبرار واحدًا في السماء ولكنّه عهدٌ أن نصبح نحن الأرضيين واحدًا في المحبّة وواحدًا في الرسالة وواحدًا في صفاء الإيمان.

بولس الرسول كان يدعو كلّ المؤمنين "قدّيسين" بمعنى أنّهم مفروزون\مخصَّصون للمسيح ومعتزلون عن الخطيئة ليلتصقوا به. فبدون القداسة نحن مجموعةٌ دنيويّةٌ، سياسيّة. بالقداسة فقط نصير كنيسةً حيّةً، جسدًا للحيّ وحده الربّ يسوع المسيح.

الثقة والطاعة

أهمّ ما في الذكرى إذًا أنّنا ننطلق منها إلى العهد والوعد. فصحيح أنّ القداسة تنزل علينا نعمةً من فوق، ولكنّنا نفعلّها بالجهاد الروحيّ وهو إرادة القداسة، هذا ما ندعوه مؤازرة Synergy.

هذا الجهاد هو قبل كلّ شيء الطاعة لكلّ متطلّبات الإنجيل والطاعة تأتي من الثقة بأنّ الله يحبّك ويريد خلاصك.

فكلمة نسك asceticism هي التمرّس على تجسيد كلمة الله في حياتنا، القراءة الدائمة للكتاب المقدّس والكتب الروحيّة بعمقٍ ودوام الصلاة الحارّة والتوبة والافخارستيّة.

علينا الثقة به. هكذا ندخل في الإيمان الحقيقيّ الذي يجعلنا نسلّم أنفسنا إلى الرّب يسوع.